للأسباب أدناه نعتقد أن من الأفضل إلغاء أوامر الدفاع ذات العلاقة بسوق العمل إذا لم لم يكن هناك نية لتصويب الممارسات التي أدت إلى المساس بحقوق العاملين، خاصة تخفيض الأجور، واستخدام أموال الضمان في غير أهدافه. 

يتلخص دور الدولة المفترض أن تقوم به في مواجهة الجائحة وآثارها في اتخاذ مجموعة من الإجراءات لحماية اقتصادها وحقوق مواطنيها، وبشكل خاص دعم المؤسسات المتأثرة والضعيفة والعاملين وحماية الوظائف، وتوفير الحماية الإجتماعية للفئات المتضررة من المواطنين، الفقراء وعمال المياومة ومن فقدوا وظائفهم أو تأثرت أجورهم، وتمكين الإقتصاد الوطني من خلال توفير سيولة كافية وتعزيز القدرة الشرائية للمواطن، وأن تعتمد في الإجرءات والسياسات المتخذة قواعد التشاور والحوار على المستوى القطاعي والوطني.   

لكن ما قامت به الحكومة خلال الجائحة أنها لجأت إلى تخفيض أجور العاملين بهدف دعم المؤسسات المتضررة، الأمر الذي أضر بدخل ما يقرب من 500 ألف عامل، انخفضت قدرتهم الشرائية هم وأسرهم (2.5 مليون مواطن)، الأمر الذي أثر على القطاع الخاص سلبا، وحتى على إيرادات الدولة، وأدخل الإقتصاد في مرحلة ركود غير مسبوقة، كما لجأت إلى أموال الضمان الإجتماعي بصورة تخالف أدوار ومهام صناديق الضمان، فخفضت التغطية الخاصة بتأمين التعطل، وسمحت بالإنفاق من صندوق الأمومة لدعم كبار السن والفقراء، ومن صندوق التعطل لإقراض المؤسسات وتقديم السلف لها، وتخلت عن العمال غير النظاميين الذين كان يفترض دمجهم في أنظمة الضمان وتأميناته، كما أنه جاء مخالفا لقانون الدفاع نفسه، فأوامر الدفاع دورها ينحصر في توقيف العمل بنص قانوني وليس بإجراء تعديلات على القوانين واستحداث أحكام تشريعية، فالتوسع في أوامر الدفاع أربك المواطن والمؤسسات، فأوجد أحكاما متضاربة ومخالفة للقصد والغاية من التشريعات الأصلية، وكثير منها غير قابل للتطبيق أو لا تتوفر فيه الأدوات اللازمة لنفاذه، إضافة إلى أنه خالف التوجيهات الملكية التي أكدت على استخدام قانون الدفاع وأوامره في أضيق نطاق وبما لا يمس حقوق الأردنيين السياسية والمدنية. 

من الخطأ الإعتقاد أن معالجة الصعوبات التي تواجهها مؤسسات القطاع الخاص يتم من باب تخفيض أجور العاملين، فالحلول التي اعتمدتها الحكومة بتخفيض أجور العاملين عمقت المشاكل الإقتصادية والإجتماعية، وتسببت في زيادة رقعة الفقر وتوسعها بصورة غير مسبوقة نتيجة فقدان الوظائف ونقص الدخل، وأضعفت بشكل كبير القدرة الشرائية للمواطنين مما أثر سلبا على انتاجية المؤسسات وحركة السوق. 

كان يفترض أن يتم توفير الدعم للمؤسسات المتضررة من أبواب أخرى غير الضمان الإجتماعي الذي يقتصر دوره على تعويض العمال الذين ينضمون إلى صفوف البطالة وتعويضات إصابات العمل والأمراض المهنية، ودفع رواتب الشيخوخة والعجز والوفاة، وأن يتم اللجوء إلى أبواب أخرى من الصناديق القائمة والصناديق الممكن تأسيسها لهذه الغاية.

وبما أن الحكومة قد سمحت منذ عدة شهور بفتح معظم القطاعات، وأعلنت أن باقي القطاعات سيتم السماح لها بالعمل اعتبارا من الأول من حزيران، إضافة إلى مجموعة البرامج التي كانت قد أعلنت عنها التي تضمنت إعفاءات وتأجيل إلتزامات من رسوم وضرائب وغيرها، الأمر الذي سيشكل دعما جيدا لمؤسسات القطاع الخاص سيساعد في الحفاظ على ديمومة أعمالها والتخفيف من الأعباء التي سببتها الجائحة، كما وفرت البرامج حجما لا بأس به من السيولة وصل إلى 240 مليون دينار عبارة عن إلتزامات كانت مترتبة على الحكومة تجاه المستشفيات وشركات الأدوية ومصفاة البترول إضافة إلى رديات ضريبية وأثمان استملاكات، ومن شأن توفير هذه السيولة المساهمة بشكل فعال في إنعاش الحركة الإقتصادية وتحريك عجلة الإنتاج.  

ويفترض في ذلك أن يؤدي إلى زيادة قدرة المؤسسات على الحفاظ على العمالة لديها والحد من فقدان الوظائف، وفي نفس الوقت سيمكن المؤسسات من تسديد إلتزاماتها تجاه العاملين لديها وبشكل خاص في إلتزام دفع الأجور، الأمر الذي يعني أنه قد أصبح من غير المبرر الإستمرار في تنفيذ أوامر الدفاع الخاصة بأجور العاملين والضمان الإجتماعي، والتوقف كليا عن السماح بالإقتطاع من أجور العاملين لأي سبب كان، ومن ذلك برنامج استدامة، وكذلك إلغاء استثناء العاملين من تأمين الشيخوخة، فالمكتسبات التي تحققت للقطاع الخاص لا تبرر الإستمرار بالمساس بأجور العاملين والذين تضرروا على مدى الشهور الماضية نتيجة التخفيضات المتتالية التي سمحت بها أوامر الدفاع منذ بداية الجائحة، وفي نفس الوقت أن يتم النظر بشكل جدي وعاجل في تخفيض اشتراكات الضمان الإجتماعي التي تعتبر الأعلى على مستوى العالم، وتثقل كاهل العمال وأصحاب العمل، وتدفعهم للتهرب من الشمول، وبالنسبة لعمال المياومة والعمال غير المنظمين فلا بد من شمولهم بالضمان فورا وتوفير الدعم لهم من صندوق خاص ينشأ في الضمان ويمول من الحكومة ومن خلاله يتم دعمهم بمبالغ تتناسب مع احتياجاتهم وليس من خلال صندوق المعونة الوطنية. 

بيت العمال