قطاع منظمات المجتمع المدني في الأردن واسع جدا ويشمل عدد كبير من المنظمات المتنوعة في أهدافها ومهامها وكذلك في طبيعتها، فهناك أكثر من ستة آلاف جمعية مسجلة وما يقرب من ألفي شركة لا تستهدف الربح إضافة إلى أن النقابات العمالية والمهنية تعتبر من منظمات المجتمع المدني، وهي أيضا ذات تأثير كبير في المجتمع والدولة.

وهذه المنظمات بمجملها تخضع لقوانين متعددة، منها قانون الجمعيات وقانون الشركات للشركات غير الربحية، إضافة إلى القوانين التي تنظم أعمال النقابات العمالية والنقابات المهنية، وهي قوانين متفاوتة فيما بينها في تنظيم أعمال هذه المنظمات وفي تعاملها معها، وهو أمر رسخ تفاوتا أيضا في مدى هامش الحرية التي تمارس فيها نشاطاتها، وكذلك في مدى اعتمادها قواعد الحوكمة الرشيدة.

ما زالت الجهات الرسمية القائمة على متابعة شؤون هذه المنظمات تنظر إليها في الغالب بعين الشك والتوجس، لسببين رئيسيين، أولاهما أن بعضا من منظمات المجتمع المدني كان في مراحل سابقة من تاريخ المملكة يمارس نشاطات بديلة للأحزاب، وكانت كثير منها في نزاع مع السلطة، أما السبب الثاني فهو ناشئ عن بعض الممارسات لمنظمات محدودة يشوبها شيء من الفساد المالي نتيجة ضعف تفعيل آليات الحوكمة فيها.

لعبت حملات التشكيك في دور المجتمع المدني التي استغلت بعض الممارسات دورا كبيرا في تعطيل عمله سواءً عند التسجيل أو أثناء العمل وصلت إلى حد اتهامها بتنفيذ أجندات وتوجهات منظمات دولية وجهات خارجية لا تريد الخير للبلاد، وهي اتهامات لا تستند إلى منطق نظرا لأن مختلف نشاطات وأعمال هذه المنظمات مقيد بالحصول على موافقات مسبقة من جهات رقابية رسمية ومن ذلك شرط الموافقة المسبقة على أي تمويل خارجي.

في ظل وجود القوانين الناظمة لم يعد مبررا استمرار تأثير العوامل التاريخية التي جعلت الدولة تقف موقفاً سلبياً من بعض منظمات المجتمع المدني، خاصة في ظل الدور المهم الذي تقدمه هذه المنظمات، ولا يجوز تحت أي ظرف أن يؤخد كل المجتمع المدني بجريرة بعض من أخطأ منهم أو أساء إن صح حصول مثل هذه الأخطاء والإساءات، ولا يجوز بأي حال من الأحوال تعميم الإتهامات وشيطنة هذه المنظمات في ظل وجود تشريعات ناظمة لعملها، ولا أن يعطل عملها في وقت تتوفر من التشريعات ما يتيح الرقابة الدقيقة عليها والتي تصل لحد المبالغة والتشدد غير المبرر، وهي تشريعات تتيح إحالة أي مسيء أو مخالف للمحاكم ليأخذ القضاء مجراه.

من غير المنطق أن يتم الإستعاضة عن تفعيل القوانين بتوجيه الإتهامات الجزافية لمجمل القطاع، وتكريس وجهات النظر المعارضة لوجود هذه المنظمات التي لا يمكن لأي دولة أن تقوم بأعبائها ومهامها وتقديم خدماتها دون مشاركتها ودون الإستفادة من وجودها، لا بل أن التشكيك بهذه المنظمات خارج الأطر القانونية هو بحد ذاته مخالف للقانون ويستوجب المسائلة.