سياسات الحد من البطالة


حماده أبو نجمة 24.6.2017

يعد مؤشر البطالة من أهم المؤشرات الإقتصادية للدولة، فهذا المؤشر والأرقام التي يتم توفيرها من المسوحات الإحصائية بخصوصه يفترض أن تستخدم في توظيف السياسات والبرامج لمعالجة الإختلالات في سوق العمل، وللحد من الإرتفاعات في هذا المؤشر التي كانت متوقعة في السنوات الأخيرة نتيجة عدد من العوامل المحلية والإقليمية تم وضع عدد من الخطط والسياسات منها الاجندة الوطنية والإستراتيجية الوطنية للتشغيل وخطة الحكومة 2013-2016، إنتهاءً برؤية الأردن 2025، وكان لهذه السياسات والخطط أثر كبير في التخفيف من حدة إرتفاع معدلات البطالة، لتصل في عام 2014 إلى (11.9%) وهو أدنى مستوى لها خلال عشر سنوات سابقة.

وقد تضمنت رؤية الأردن 2015 تحليلا للواقع الإقتصادي والسياسي والإجتماعي للأردن، وأوجبت اتباع سياسات كفيلة بمواجهة عدد من التحديات التي سلطت عليها الضوء، وكان من المأمول في حال تنفيذ جميع السياسات والبرامج أن يتم إنعاش الإقتصاد الأردني ليصل معدل النمو في الناتج المحلي الاجمالي إلى (7%) في عام 2025، وأن تتم مجابهة تحديات اللجوء السوري وإختلالات سوق العمل وإحتواء الداخلين الجدد لينخفض معدل البطالة إلى (9%).

إلا أن من الواضح لكل متابع في عام 2017 أن تباطؤا جليا قد ساد في تنفيذ سياسات وبرامج الرؤية من قبل المؤسسات المعنية، ففي محور الاعمال مثلا جاءت الرؤية لمعالجة الإختلالات والتحديات التي تواجه بيئة الأعمال، والتجارة والتنافسية، ورأس المال، والأعمال المتوسطة والصغيرة، ومراجعة وتطوير السياسات والتشريعات الكفيلة بذلك، إلا أننا لاحظنا ضعفا وتراجعا في الإستثمارات وخصوصاً في المناطق البعيدة عن العاصمة التي ركزت عليها رؤية الأردن 2025، حيث لم نشهد أي تقدم في هذا المجال خاصة في إيجاد إستثمارات تولد فرص عمل للأردنيين.

وفي محور المواطن الذي جاء لمعالجة قضايا القوى العاملة، والتشغيل، والتعليم، والصحة ومعالجة الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، وبكلف تقديرية بلغت (224.5) مليون دينار لتنفيذ برامج قطاع التشغيل والتدريب، لاحظنا أن ما حدث هو العكس تماما، حيث شهدنا تجاوزا ملفتا للنظر في تنفيذها وانحراف عن المسار الذي وضعته الرؤية وتقليص كبير للمخصصات المالية لتنفيذ برامجها.

إن خطورة الوضع القائم في سوق العمل وتفاقم مشكلة البطالة ومعدلاتها غير المسبوقة يستوجب توجيه جميع الجهات المعنية لتنفيذ جميع السياسات المدرجة في الرؤية وبرامجها، والتركيز على المبادرات التي تحد من البطالة وتنظم سوق العمل لإستيعاب الداخلين الجدد، والأخذ بعين الإعتبار جميع فئات وأطياف المجتمع كذوي الإعاقة والنساء والشباب، واستهداف كل منها ببرامج تخدمهم وتستثمر طاقاتهم، وتنظيم استخدام العمالة السورية بصورة تضمن تنفيذ خطة الإستجابة للأزمة السورية دون منافستها للعمالة الأردنية.

فعلى مستوى سياسات التشغيل والتدريب، يتطلب الأمر أن تعمل جميع الجهات الرسمية على توجيه سياساتها وبرامجها ومشاريعها نحو استحداث فرص العمل وزيادة نسب المشتغلين الأردنيين والتركيز على المناطق الفقيرة والنائية، ومعالجة التحديات التي تقف أمام دخول المرأة إلى سوق العمل، وتعزيز دور صندوق التشغيل والتدريب في دعم تنفيذ المشاريع التنموية في المناطق النائية والفقيرة بإعادة إستقلالية الصندوق مالياً وإدارياً لتوظيف جميع إيراداته لهذه الغاية، كالفروع الإنتاجية التي كان من المقرر إنشاء 30 فرع جديد منها خلال الفترة 2016-2018، وتفعيل برامج التدريب المدعومة في القطاع الصحي والقطاعات الأخرى، ودعم وتوجيه الأردنيين نحو الأعمال المهنية والتقنية الريادية، ودعم أبناء المناطق الأقل حظاً من حملة الشهادات الجامعية لإنشاء مشاريع صغيرة تخدم مناطقهم (عيادات ومراكز طبية، ومراكز تعليمية وثقافية، ومراكز لرعاية الأطفال وكبار السن، أندية رياضية، ..الخ).

أما على مستوى سياسات تشجيع الإستثمار وبيئة الاعمال، فلعل من أبرز التحديات التي تواجه الإستثمار في المملكة ضعف التناغم بين السياسات الإقتصادية والسياسات الإستثمارية، إضافة إلى البيرقراطية في الإجراءات الحكومية للحصول على التراخيص والإعفاءات وتراجع تنافسية وبيئة الاعمال، وارتفاع كلف التشغيل وخصوصاً الطاقة والإنتاج، وتدني الإستثمارات في المحافظات، ولمعالجة هذه التحديات لا بد من العمل على تسهيل الاجراءات لإستقطاب استثمارات جديدة تستوعب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، بإيجاد آليات لخفض تكاليف ممارسة الاعمال كخفض الضرائب ورسوم التراخيص، وتبسيط الإجراءات وتحسين نوعية الخدمات للمستثمرين المحليين والأجانب، وتعزيز وتطوير المناخ الإستثماري بتطوير وتحسين التشريعات الناظمة لبيئة الأعمال والإستثمار، وتعزيز إستحداث فرص إستثمارية في المناطق التي تفتقر إلى فرص العمل من خلال إنشاء مدن صناعية تشمل كافة المحافظات.

وعلى مستوى السياسات الناظمة لسوق العمل والعمالة الوافد، فالأحرى أن يتم إتخاذ عدد من الإجراءات الوقائية التي تنظم سوق العمل وتحد من تسرب العمالة الوافدة المخالفة في سوق العمل، كبديل للتركيز على إجراءات الملاحقة الميدانية للعمالة الوافدة قدر الإمكان، وتطبيق نظام وطني لتتبع العمالة الوافدة عبر المعابر الحدودية وفي سوق العمل ترتبط به جميع المؤسسات ذات العلاقة، وبناء قاعدة بيانات خاصة بالعمالة الوافدة تشارك بها جميع الجهات المعنية توفر أرقام دقيقة وموحدة للعمالة الوافدة، وتفعيل وتطوير نظام تحديد نسب العمالة الوافدة بالتنسيق مع ممثلي القطاع الخاص في جميع القطاعات، وشمول العمالة الوافدة بالحد الأدنى للأجور بما يضمن عدم تفضيل أصحاب العمل العمالة الوافدة على العمالة الأردنية لتدني أجورها، إضافة إلى تعزيز قدرات الجهات الرقابية في تتبع العمالة الوافدة، وتغليظ العقوبات على المخالفين.

http://alrai.com/article/10395700