البرنامج مهم للمساهمة في الحد من تفاقم مشكلة البطالة، ولكنه لن يساهم في تخفيض معدلات البطالة بصورة ملموسة، فقد يسهم في تخفيف احتمالات اتساع رقعة البطالة وتفاقمها وتحقيق معدلات مرتفعة أكثر مما هي عليه حاليا، لكنه لن يكون حلاً لمشكلة البطالة في ظل الحجم الكبير للداخلين الجدد إلى سوق العمل كباحثين عن عمل والذي يقارب 110 آلاف شخص سنويا، في وقت بلغ فيه عدد المتعطلين عن العمل أكثر من 400 ألف، وما زال سوق العمل غير قادر على استحداث فرص عمل جديدة، نتيجة الصعوبات التي يعاني منها القطاع الخاص وتعثر سياسات تشجيع الإستثمار.

نحن لا نعرف حتى الآن ما هو مصير البرامج المماثلة التي أعلنت عنها الحكومة في السنوات القليلة الماضية، وفيما إذا كانت قد حققت أهدافها ونجحت في تشغيل الأعداد التي تم الإعلان عنها، ومن المهم قبل تكرار هذه التجربة أن يكون هناك تقييم للبرامج السابقة للتأكد من مدى نجاحها وجدية الأطراف المعنية في القطاعين العام الخاص في تنفيذها، وتحديد الإختلالات التي أعاقت تحقيق أهدافها بهدف تفادي تكرارها.

وقد يكون اعتماد راتب 260 دينار (الحد الأدنى للأجور)  كأجر شهري للمستفيدين من البرنامج قد يكون عائقا أمام كثير من الشباب الباحثين عن العمل للإلتحاق بالبرنامج، باعتباره أجرا منخفضا، ولا يجوز فرضه على مختلف التخصصات التي يشملها البرنامج، التي من الممكن أن تكون بطبيعتها تفرض في سوق العمل أجورا أعلى للعاملين المستجدين فيها، وهو أمر قد يتسبب في إحباط العديد من فرص العمل التي يولدها سوق العمل خارج البرنامج.

يزيد عدد المتعطلين عن العمل على 404 ألف متعطل (بمعدل بطالة بلغ 23.2%) يعيلون ما يقرب من مليوني مواطن، وعليه فنحن بحاجة إلى استحداث ما يقرب من 250 ألف فرصة عمل جديدة على الأقل لنصل بالبطالة إلى ما كانت عليه عام 2014 عندما بلغ معدلها 11.5% وهو المعدل الأخفض خلال العشرين سنة الماضية، وهو معدل يعادل المتوسط العربي الحالي للبطالة، ولتحقيق ذلك لا بديل عن جذب استثمارات جديدة وإنشاء مؤسسات ومصانع ومشاريع توفر هذه الأعداد من فرص العمل.

فعدد العاملين في القطاعين العام والخاص يبلغ حوالي مليون و330 ألف، وعدد القادمين الجدد سنويا إلى سوق العمل كباحثين عن عمل حوالي 110 آلاف شاب وشابة، لا يستوعب سوق العمل منهم سوى حوالي 35 ألف فقط.

فإذا أردنا حقيقة أن نصل إلى مستوى مقبول نسبيا من البطالة فيجب أن نصل إلى سوق عمل يشغل على الأقل مليون و650 ألف مواطن، وهو أمر من الصعب تحقيقه دون وضع خطة طوارئ وطنية يشارك بها مختلف الجهات الرسمية وممثلو القطاع الخاص، والتفعيل الحقيقي للشراكة مع القطاع الخاص، ومعالجة الإختلالات في سياسات التعليم الجامعي التي تراعي متطلبات سوق العمل واحتياجاته من الكفاءات، وتطوير برامج التدريب المهني لتواكب التطورات الحديثة في سياسات وبرامج التدريب.

ولضمان نجاح برامج التدريب والتشغيل يجب أن تكون برامج التدريب مصممة لأعمال ومهن مطلوبة فعليا في سوق العمل، لضمان توفير فرص عمل لهم بعد إنهاء التدريب، وأن تكون وفق المتطلبات الفنية لأصحاب العمل، وهو أمر لا يتحقق إلا بمشاركة حقيقية منهم في وضع البرامج وتنفيذها، وبغير ذلك ستكون مخرجات هذه البرامج غير مقبولة لديهم ولا تحقق احتياجاتهم كما حصل في برامج سابقة.

كما من المهم العمل على معالجة الضعف الكبير الذي ظهر في شروط العمل اللائق في عدد من قطاعات العمل التي تستهدفها مثل هذه البرامج، الأمر الذي يساهم في إجهاضها، ويؤدي إلى عدم قدرتها على استقطاب الباحثين عن العمل، وبشكل خاص ضعف الأجور وعدم ملائمة بعض ظروف العمل فيها للمتطلبات القانونية لحماية العمال وضمان حقوقهم.

وفي نفس الوقت يجب العمل على تفعيل برامج الإرشاد والتوجيه المهني، لتبدأ من المدرسة وإلى اختيار التخصص المهنية أو الأكاديمي، وتنتهي باختيار التخصص ومن ثم الحصول على الوظيفة، وهذه جميعها برامج يجب أن تشارك فيها بشكل دائم ومنتظم جهات حكومية متعددة، وبشكل خاص المعنية بالتعليم في كافة مراحله، والتدريب المهني، بشراكة حقيقية مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني.

وفي ظل ظروف ارتفاع معدلات البطالة بصورة غير مسبوقة يتوجب على الحكومة أن تعمل على جملة من الحلول، وبشكل خاص في المجال الإقتصادي بحفز الإقتصاد ودعمه لزيادة الطلب على الأيدي العاملة باستخدام الأدوات المالية المتاحة وتخفيف عبء الإلتزامات المالية على المؤسسات كالرسوم والضرائب، ومن جانب آخر يجب العمل على تعزيز دور برامج دعم إنشاء المشاريع الريادية التي تستهدف فئة الشباب، خاصة منهم الداخلين الجدد إلى سوق العمل ومن فقدوا وظائفهم نتيجة الجائحة.

ولا غنى عن تدعيم شبكة الحمايات الإجتماعية كالضمان الإجتماعي، وشمول مختلف شرائح العمال غير الرسميين بتأميناته، وتخفيض قيمة إشتراكاته التي تعتبر من الأعلى عالميا، والتي تدفع العمال وأصحاب العمل إلى التهرب من الشمول، والتوقف عن استنزاف أموال صندوق التعطل في غير أهدافه، وذلك لتمكينه من الوفاء بالتزاماته الحالية والمستقبلية، وتحويل تأمين التعطل إلى تأمين البطالة الذي يعتمد التكافل بين المشتركين، وتوفير التأمين الصحي للجميع والخدمات الطبية المجانية لغير المقتدرين، ومراجعة حجم التمويل المخصص لبرامج الحماية الاجتماعية، حيث لا بديل عن زيادة حجم الإنفاق عليها، كي تتمكن من الوفاء بالتزاماتها.

ومن الملاحظ في السنوات الأخيرة تراجع دور آليات الحوار الإجتماعي وتهميشها، الأمر الذي أدى إلى غياب التنسيق بين الشركاء الإجتماعيين في وضع السياسات الناظمة لسوق العمل في ظل الجائحة، ومن الضرورة بمكان إعادة تفعيل هذه الآليات بين الحكومة والعمال وأصحاب العمل للوصول إلى تفاهمات مرضية للجميع تتضمن حلولا للتحديات التي تواجه سوق العمل تتسم بالفعالية والإنصاف.

كما من المهم العمل على معالجة الضعف الكبير الذي ظهر في شروط العمل اللائق، والذي ظهر جليا في عدد من قطاعات العمل، وضعف العمال وافتقادهم للممكنات اللازمة لمواجهة الأزمات والحفاظ على حقوقهم، وأعادة بناء منظومة التشريعات والممارسات ذات العلاقة بسوق العمل لتكون أكثر أمانا وعدلا واستدامة، وأكثر فاعلية في التصدي للأزمات والتخفيف من آثارها. 

والمطلوب في هذه المرحلة بالتحديد وبصورة عاجلة الحفاظ على فرص العمل القائمة، من خلال دعم حقيقي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وحماية العاملين من الفصل، وحماية حقوقهم وأجورهم، وتعزيز دور القطاعات الأقل تأثرا بالأزمة في إمكانية توفير فرص عمل جديدة فيها وبشكل خاص تلك التي استفادت من الأزمة في تنمية وتعزيز انتاجيتها، وتشجيع الإستثمارات في المجالات التي يتطلبها التغير الذي أحدثته الجائحة على أولويات المجتمع والإقتصاد للإستفادة منها في توليد فرص العمل الجديدة.  

كما أن الواقع يفرض علينا العمل على توفير نموذج أمان اجتماعي مرن يتكيف مع واقع وطبيعة فرص العمل، يضمن توازنا عادلا بين الحماية الاجتماعية من جهة والسياسات النشطة لسوق العمل من جهة أخرى إضافة إلى إصلاح النظام التعليمي.

ومن الممكن أن يكون للضمان الإجتماعي دور مهم في هذه المرحلة، من خلال تفعيل قانون الضمان بنصوصه الأصلية الخاصة بتأمين التعطل، والعودة عن حرمان أوامر الدفاع العاملين في بعض القطاعات من الشمول بتأمين الشيخوخة، وشمول جميع العاملين بمظلة الضمان ومنهم العاملين في القطاع غير المنظم الذين يمثلون 48% من العمالة، فحسب منظمة العمل الدولية فإن فجوة تمويل الحماية الإجتماعية زادت بنسبة 30% نتيجة الجائحة، وعلى الدول أن تخصص 3.8% من ناتجها المحلي الإجمالي لسد الفجوة.

بيت العمال