بيت العمال- من غير المعروف حتى الآن مصير برامج التشغيل التي أعلنت عنها الحكومة في السنوات القليلة الماضية، وبشكل خاص منذ عام 2016، وفيما إذا كانت قد حققت أهدافها ونجحت في تشغيل الأعداد التي تم الإعلان عنها أم لا، وكم من المبالغ تم إنفاقها عليها، خاصة وأن البرامج السابقة كما الحالية خصص لها مبالغ كبيرة كانت ما بين 100 ألف و80 ألف دينار لكل برنامج، ومن المهم قبل تكرار هذه التجربة أن يكون هناك تقييم لهذه البرامج للتأكد من مدى جدواها ونجاحها وجدية الأطراف المعنية في القطاعين العام الخاص بتنفيذها، وتحديد الإختلالات التي أعاقت تحقيق أهدافها لتفادي تكرارها.

قد يشكل اعتماد 260 دينار "الحد الأدنى للأجور" كأجر شهري للمستفيدين من البرنامج الذي أعلنت عنه الحكومة مؤخرا عائقا أمام كثير من الشباب الباحثين عن العمل للإلتحاق بالبرنامج، باعتباره أجرا منخفضا، وكان الأفضل لو تم التفاوض مع كل قطاع حول مستوى الأجور لكل تخصص بدلا من أن يترك الأمر معوما، فهناك الكثير من التخصصات التي يشملها البرنامج تستحق أن يكون الأجر فيها أعلى من الحد الأدنى للأجور وقيمتها السوقية تؤكد ذلك، وبالتالي فإن شمولها كغيرها بالشرط الموحد الذي يوجب أن لا يقل الأجر فيها عن الحد الأدنى للأجور سوف يشجع أصحاب العمل على الإكتفاء بدفع الحد الأدنى فقط، وهو أمر سيتسبب في إحباط إمكانية إقبال الباحثين على قبول العمل فيها.

ومن جانب آخر فإن العديد من فرص العمل التي تتيحها برامج التشغيل في العادة لا يقبل الأردنيون على العمل بها بسبب عدم جاذبيتها بالنسبة لهم، إما لانخفاض الأجور أو لعدم توفر الحمايات القانونية فيها وشروط العمل اللائق، وبالتالي فمن غير المتوقع أن تتغير وجهة نظر الباحثين عن العمل وموقفهم من هذه الفرص إلا إذا تمت معالجة هذه الإختلالات وبشكل خاص تحسين شروط العمل وضمان الحمايات القانونية ورفع الأجور.

ولضمان نجاح برامج التشغيل التي تتطلب نوعا من التدريب، يجب أن تكون هذه البرامج وفق المتطلبات الفنية الحقيقية لأصحاب العمل، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا بمشاركة فعلية منهم ومن المنظمات التي تمثلهم في وضع هذه البرامج وتنفيذها، وبغير ذلك ستكون مخرجات هذه البرامج غير مقبولة لديهم ولا تلبي احتياجاتهم كما حصل في برامج سابقة.

كما لا يمكن لبرامج التشغيل أن تحقق النتائج المرجوة منها إذا لم تراعي طبيعة تخصصات الباحثين عن العمل وسماتهم، وقد ثبت من البرامج السابقة أن عدم مراعاة هذا الجانب أدى إلى عرض عشوائي لوظائف لا تتناسب مع تخصصات الباحثين وطموحاتهم، وكان ذلك من أهم أسباب عدم نجاحها، وفي نفس الوقت يجب أن يواكب برامج التشغيل هذه خدمات فعالة في مجال الإرشاد والتوجيه المهني، حول طبيعة الفرص المعروضة وميزاتها ومدى ملائمتها للباحثين عن العمل كل في تخصصه، وحول الخبرات المطلوبة في كل منها وكذلك المهارات التي يتطلبها العمل وكيفية اكتسابها وتوفير الجهات التي تمكن الباحث من اكتساب هذه المهارات في وقت قصير.

بشكل عام يجب أن يكون العمل على معالجة الإختلالات التي تتسبب في إحجام الأردنيين عن القبول بفرص العمل المتوفرة غير مرتبط فقط ببرامج التشغيل التي يعلن عنها، بل يجب أن يمثل سياسة ثابتة للجهات الحكومية المعنية بسوق العمل تعمل عليها بتنسيق مباشر مع القطاع الخاص، وفي نفس الوقت يجب أن تتحول برامج التشغيل الموسمية هذه إلى عمل يومي للحكومة ضمن خدمات وزارة العمل والجهات الرديفة لها من خلال مكاتب تخصص لهذه الغاية تنتشر في كافة مناطق المملكة كما كان عليه الحال أثناء تنفيذ الإستراتيجية الوطنية للتشغيل في السنوات الماضية، لتقدم هذه المكاتب خدماتها للباحثين عن العمل في مناطقهم سواء في مجال الإرشاد والتوجيه المهني أو في مجال التدريب المهني واكتساب المهارات اللازمة لسوق العمل، وكذلك خدمات الربط بين الباحثين عن العمل وفرص العمل التي تناسبهم، كل ذلك في إطار المعايير الدولية لمثل هذه الخدمات ونماذجها في الدول التي تقدمت ونجحت في هذا المجال.

كما يجب العمل في نفس الوقت على توفير الإرشاد والتوجيه المهني للجميع في مراحل مبكرة تبدأ من المدرسة وإلى اختيار التخصص المهني أو الأكاديمي، ومن ثم الحصول على الوظيفة، وهذه جميعها برامج يجب أن تشارك فيها بشكل دائم ومنتظم جهات حكومية متعددة، وبشكل خاص الجهات المعنية بالتعليم في كافة مراحله، والتدريب المهني، بشراكة حقيقية مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني.