حان الوقت لمراجعة الحد الأدنى للأجور


حماده أبو نجمة 22.2.2028

لقد نص قرار الحد الأدنى للأجور الصادر عن مجلس الوزراء في شباط من العام الماضي والمتضمن اعتبار الحد الأدنى للأجور 220 دينار شهريا على أن:- (تتم مراجعة هذا القرار من قبل اللجنة الثلاثية مع بداية كل عام لتحديد أي زيادة على الحد الأدنى للأجور تقررها اللجنة)

وحيث توجب المادة 52 من قانون العمل أن يؤخذ بعين الإعتبار في وضع الحد الأدنى للأجور مؤشرات كلف المعيشة، ونظرا للإرتفاعات التي حصلت على هذه الكلف منذ صدور قرار الحد الأدنى للأجور النافذ حاليا إلى الآن، فقد أصبح من الضروري العمل على مراجعة الحد الأدنى للأجور بهدف وضع حد أدنى جديد يتلائم مع الواقع الجديد للأسعار وكلف المعيشة ومعدل تآكل الرقم القياسي للأجور نتيجة ذلك، والتغير الحاصل على معدل التضخم خلال السنوات الأخيرة وخاصة منذ صدور القرار السابق، وضعف النمو الإقتصادي مقابل نمو سكاني كبير، وارتفاع معدل البطالة البالغ 18.5% وهو أعلى معدل بطالة منذ الأزمة المالية التي شهدتها المملكة في نهاية الثمانيات، وانخفاض معدل المشاركة الإقتصادية التي تعتبر من أدنى المستويات في العالم، وارتفاع معدل الفقر حسب آخر بيانات لدائرة الإحصاءات العامة بهذا الخصوص عام 2010 التي أشارت إلى أن معدل الفقر يبلغ 14.4%، إضافة إلى أن (18.6%) من السكان هم "فقراء عابرون" أي يختبرون الفقر لفترة 3 أشهر في السنة أو أكثر، في وقت أكد فيه البنك الدولي بأن ثلث السكان معرضين أن يقعوا ضمن خط الفقر بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل بشكل كبير، وفي وقت يحتمل أن يصل معدل الفقر إلى أكثر من (20%) بسبب إرتفاع تكاليف المعيشة، المشتقات النفطية، أجرة النقل، تكاليف العلاج، إيجارات الشقق، الضرائب على جميع المواد التموينية الرئيسية، وغيرها من السلع والخدمات.

ووفقا لبيانات دائرة الاحصاءات العامة التي تعود للعام 2010 فقد بلغ خط الفقر العام (المطلق) للفرد 814 دينار سنويا أي ما يعادل حوالي 68 دينار شهريا، ووفقا لآخر مسوحات دائرة الاحصاءات العامة بلغ معدل الاعالة في الاقتصاد الاردني (1: 4) أشخاص، وعليه فإن مقدار الاعالة المطلوب لاربعة اشخاص يعادل 272 دينار شهريا حتى تصل الاسرة الى خط الفقر المطلق.

لقد شهد الإقتصاد الوطني مؤخرا عدد من التراجعات التي أثرت على الأجور بشكل مباشر وعلى القدرة الشرائية للعاملين في القطاعين العام والخاص، فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي من (8.6%) في عام 2013 إلى (3.0%) عام 2016، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي من (2,958) في عام 2012 إلى (2,801) عام 2016، وتراجعت الإستثمارات الأجنبية من (1546.7) مليون في عام 2014 إلى (1092.6) مليون عام 2016، والصادرات الوطنية بمعدل (8.9%) عن عام 2015، وارتفعت خسائر الشركات  بنسبة (3.6%) عام 2017 عن عام 2016، وانخفضت رؤوس أموال الشركات بنسبة (20.0%)، من (158.9) مليون دينار عام 2015 إلى (127.4) مليون دينار عام 2016، بسبب ارتفاع كلفة الكهرباء، والضرائب، والمواد الأولية، وإنخفاض القوة الشرائية للمستهلكين مما أدى إلى تسريح أعداد كبيرة من العمال، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة لدعم الصناعات المحلية وحمايتها من منافسة المنتج الأجنبية وزيادة قدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية، وفي نفس الوقت زيادة القدرة الشرائية للمواطنين بما يدعم حركة السوق المحلي ويزيد في معدل الإستهلاك بصورة تدعم القطاع الخاص الوطني.

سيساهم رفع الحد الادنى للاجور في حماية الفئات العمالية الضعيفة ومساعدتهم على اكتساب مستوى معيشة افضل، وفي الحد من الفقر واعادة توزيع الدخل بشكل عادل ومنصف، وفي زيادة الدخل المتاح وبالتالي زيادة الاستهلاك الخاص وتنشيط الاقتصاد ورفع معدلات النمو وبالتالي الحد من البطالة، وفي تحفيز العمالة المحلية للإقبال على فرص العمل المتوفرة.

ولتعزيز فعالية زيادة الحد الأدنى للأجور يجب العمل على تطوير إجراءات تنظيم العمالة الوافدة وتوجيهها نحو احتياجات السوق الفعلية لمساعدة أصحاب العمل في سد احتياجاتهم من العمالة وديمومة الإنتاج، وفي نفس الوقت تنفيذ برامج تدريب وتشغيل مدروسة قطاعيا وبمشاركة حقيقية من القطاع الخاص لإحلال العمالة المحلية مكان الوافدة، وتنفيذ خطوات عملية لتحفيز الإنتقال من القطاع غير المنظم إلى القطاع المنظم وتوفير الحمايات اللازمة للعاملين فيه بدل المنع والملاحقة، وزيادة القدرة التنافسية للصناعة المحلية في الداخل والخارج بتقليل الكلف، وحماية منتجات القطاع الخاص من منافسة المنتج المستورد وزيادة القدرة الشرائية للمواطنين، وتحسين بيئة العمل للعاملين وتحسين البنية التحتية والخدمات في مواقع العمل وتطوير المواصلات العامة اللائقة والمنتظمة.

ومن جانب آخر فإن استثناء العمالة الوافدة من قرارات الحد الأدنى للأجور السابقة واعتبار الحد الأدنى الساري بحقهم هو الذي تقرر عام 2008 والبالغ 150 دينار فقط، قد أثر كثيرا على سمعة الأردن على صعيد حقوق الإنسان وأثار حفيظة المنظمات الدولية الدولية وخاصة منظمة العمل الدولية باعتبار أن هذا الإستثناء يشكل تمييزا صريحا يخالف المعايير الدولية، كما أن انخفاض معدل أجور العمال الوافدين في بعض القطاعات قد أثر كثيرا على فرص عمل الأردنيين نظرا لتفضيل بعض أصحاب العمل للعمالة الوافدة لانخفاض أجورها إضافة إلى الأسباب التفضيلية الأخرى من وجهة نظرهم، ولكل ذلك فإن من مصلحة كافة الأطراف شمولهم بالحد الأدنى الجديد للأجور.