يعاني القطاع الزراعي في الأردن منذ نشأة الدولة الأردنية قبل مئة عام من غياب الرقابة والإشراف من الجهات الرسمية، ومن ضعف الدعم الحكومي لتعزيز قدرته على المشاركة في التنمية الاقتصادية وفي زيادة الناتج المحلي، كما شكل اندلاع الأزمات والحروب في الدول المجاورة في السنوات الأخيرة خاصة في العراق وسوريا زيادة في معاناة القطاع نتيجة إغلاق أكبر سوقين أمام المحاصيل والمزروعات الأردنية، وإغلاق الطريق البري الوحيد الذي كان متاحا للمحاصيل والمزروعات الأردنية المتجهة نحو أوروبا عبر سوريا، مما أسفر عن تراجع أسعار هذه المنتجات وتكّبد المزارع خسائر فادحة مقابل ارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي بالنسبة لأصحاب المزارع الذين تتشكل غالبيتهم من صغار المزارعين ذوي حيازات الأراضي الزراعية الصغيرة والقدرات المحدودة، في ظل تحكم شركات التسويق الوسيطة في أسعار المنتجات الزراعية.

عمل أصحاب المزارع على تعويض خسائرهم الناتجة عن الأزمات في الدول المجاورة من خلال تقليل كلف الإنتاج الزراعي بالتوسع في تشغيل العمال بنظام المياومة أو مقابل الأجر على الإنتاج (على القطعة)، والتوسع في تشغيل العمالة المهاجرة واللاجئين بكلف أقل وشروط عمل غير قانونية، مستغلين ضعف قدرتهم على المطالبة بحقوقهم نتيجة الإستغلال من قبل أصحاب العمل والخوف من اللجوء إلى القضاء أو إلى الجهات الرسمية لتقديم الشكاوى، في وقت يشهد هذا القطاع عزوف الأيدي العاملة الأردنية خاصة الماهرة منها عن العمل فيه نتيجة غياب الحمايات القانونية وعدم شمول العاملين فيه بقانون العمل وقانون الضمان الإجتماعي وانعدام الأمن الوظيفي.

يعتبر القطاع الزراعي من القطاعات التي يغلب عليها سمة الإقتصاد غير الرسمي، فنسبة ضئيلة جداً من عمال هذا القطاع يعملون بموجب عقود عمل في شركات زراعية مسجلة تخضع لقانون الضمان الإجتماعي وقانون الضريبة، والغالبية العظمى من العمال يعملون بشكل غير منظم في أعمال مؤقتة كعمال موسميين أو عمال مياومة، بلا عقود وبلا حمايات اجتماعية، منهم أردنيين معظمهم من النساء، ومهاجرين معظمهم من الجنسية المصرية، ولاجئون سوريون يعملون كعائلات بمن فيهم الأطفال، ويخضع المهاجرون واللاجئون لنظام "الكفالة" الذي يضع العامل تحت السيطرة الكاملة لصاحب العمل، ويمنعه من تغيير صاحب العمل الذي يعمل لديه أو مكان عمله، ويقيد حريتة في التنقل والعودة لوطنه. 

وتزيد نسبة الإناث العاملات في الزراعة في العديد من المناطق الفقيرة على نسبة الرجال، لكن المرأة تعاني في هذا القطاع أكثر، خاصة من التمييز في الأجر حيث تتقاضي أجرا أقل من الرجل لذات العمل، وتحرم من إجازة الأمومة وأوقات الرضاعة مدفوعة الأجر، وتتعرض كما العمال الذكور للإصابات وضربات الشمس ولدغات الحشرات والقوارض دون توفر أي شكل من أشكال الرعاية الصحية أو التأمين، وتعاني المرأة الحامل من عدم توفر شروط الصحة والسلامة المهنية بما يعرض حياتها وحياة جنينها للمخاطر الشديدة خاصة نتيجة استخدام مواد كيماوية كالمبيدات الحشرية، وفي أغلب الحالات يتم نقل النساء من أماكن سكنهم إلى المزارع بواسطة شاحنات مخصصة لنقل الأدوات والمعدات الزراعية وغير مهيئة لنقل العمال وفي ظروف جوية حارة، ويتعرضن فيها للسقوط وللتحرش.

 صدر أول قانون عمل في الأردن عام 1960 (القانون رقم 21)، واستثنى من أحكامه وحماياته عمال الزراعة باستثناء من يعملون في المؤسسات الحكومية في أعمال ميكانيكية وفي الري الدائم، واستمر هذا الإستثناء في القانون الذي حل محله عام 1996 (القانون رقم 8)، والذي ما زال نافذا لغاية الآن، إلا أنه جرى عليه تعديل عام 2002 سمح لمجلس الوزراء بأن يشمل بالقانون فئات يختارها بموجب نظام يصدره لهذه الغاية، فصدر النظام رقم 4 لسنة 2003، وشمل بالقانون فئات محدودة من عمال الزراعة وهم المهندسون الزراعيون، والأطباء البيطريون، وعمال الزراعة في المؤسسات الحكومية، والعمال الفنيين على الآلات الزراعية وفي المشاتل ومزارع تربية الحيوانات، غير أن هذا الشمول حرمهم في نفس الوقت من الأحكام الخاصة بالتنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية والتدريب المهني، أما العمال من الفئات الآخرى والذين يمثلون الغالبية العظمى من العاملين في الزراعة فقد بقوا خارج حمايات قانون العمل ولا تشملهم أي من أحكامه، حيث بررت الحكومة ذلك في أكثر من مناسبة بأنها تستهدف تخفيف الأعباء على أصحاب المزارع.

انضم الأردن إلى منظمة العمل الدولية عام 1956 أي بعد 10 سنوات من إعلان استقلاله، وصادق على (26) اتفاقية من اتفاقيات العمل الدولية، منها سبع اتفاقيات من الاتفاقيات الأساسية الثماني، وهي الإتفاقيات (98 بشأن المفاوضة الجماعية وحق التنظيم، 29 بشأن العمل الجبري، 105 بشأن تحريم العمل الجبري، 138 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام، 182 بشأن القضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال، 100 بشأن تساوي الأجور عند تساوى قيمة العمل، 111 بشأن عدم التمييز في الاستخدام والمهنة)، بينما لم يصادق على الإتفاقية رقم 87 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم، كما صادق على ثلاث من اتفاقيات الحوكمة الأربع وهي الإتفاقيات (81 تفتيش العمل، 122 سياسات التشغيل، 144 المشاورات الثلاثية)، بينما لم يصادق على الإتفاقية رقم 129 بشأن تفتيش العمل (في الزراعة).

 وبناءا على مصادقاته هذه فهو ملزم بتطبيق المبادئ الواردة فيها وأخذ مضامينها بعين الإعتبار عند وضع التشريعات الوطنية وبما يشمل جميع العمال في مختلف قطاعات العمل ومنهم العاملون في القطاع الزراعي، كما أنه وفقا لما جاء في "إعلان منظمة العمل الدولية للمبادئ والحقوق الأساسية في العمل" فإن الدول الأعضاء تعتبر ملزمة بالمبادئ الأساسية للمنظمة بحكم عضويتها حتى لو لم تصادق على الإتفاقيات ذات العلاقة بهذه المبادئ، وفي حالة الأردن فهو لم يصادق على الإتفاقية رقم 87 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم، وهي من اتفاقيات المبادئ الأساسية إلا أنه ملزم وفق هذا الإعلان ودستور المنظمة بالمبادئ الواردة فيها، وبشكل خاص ضمان الحق في تأسيس النقابات لجميع العاملين والإنضمام إليها دون قيود ودون إذن مسبق، وهو أمر لم يلتزم به الأردن بشأن عمال الزراعة فلم يسمح لهم لغاية الآن بتأسيس نقابة لهم رغم الطلبات المتكررة التي قدمت للحكومة من مجموعات من العمال. 

توجه القضاء الأردني إلى الأخذ بالمبدأ الذي اعتمدته "اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات" والتي اعتبرت أنه "لا يجوز لطرف في معاهدة أن يحتج بنصوص قانونه الداخلي كمبرر لإخفاقه في تنفيذ المعاهدة"، فاستقر اجتهاد محكمة التمييز الأردنية في العديد من قراراتها على سمو المعاهدات والاتفاقيات الدولية المصادق عليها على القانون الوطني في حال تعارضت معه، فجاء في أحد قراراتها: "تسمو المعاهدات والاتفاقيات الدولية مرتبة على القوانين المحلية ولها أولوية التطبيق عند تعارضها معها ولا يجوز الاحتجاج بأي قانون محلي أمام الاتفاقية".

في عام 2008 صدر تعديل جديد على قانون العمل تم إقراره بناء على تشاور مع أطراف العمل وأصحاب المصلحة دعت إليه الحكومة لإجراء إصلاحات على قانون العمل بعد اتهامات من منظمة عمالية حقوقية أميركية ''غير حكومية'' بأن مصانع ألبسة في المناطق الصناعية المؤهلة الأردنية التي تصدر إلى السوق الأمريكي بمليارات الدولارات تخرق حقوق العمال المهاجرين الإنسانية والعمالية، وهي اتهامات أضرت بسمعة الأردن ومثلت خطرا اقتصاديا نتيجة احتمالات إغلاق بعض الأسواق الخارجية أمام منتجاته، وتضمن التعديل نصوصا إصلاحية مهمة، منها؛ تشكيل اللجنة الثلاثية للتشاور في شؤون العمل، واستحداث نصوص خاصة بالعمل الجبري، وفرض عقوبات مشددة في حالات الإعتداء على العمال وفي المخالفات المتعلقة بعمل المرأة والأحداث، إضافة إلى إلغاء النص القانوني في المادة الثالثة من قانون العمل الذي يستثني عمال الزراعة والعمال المنزليين من القانون، واستبداله بنص يوجب على الحكومة إصدار أنظمة خاصة تحدد الأحكام التي يخضع لها عمال الزراعة والعمال المنزليين

لم تستجب الحكومة لمتطلبات القانون في إصدار النظام الخاص بعمال الزراعة رغم أنها أصدرت النظام الخاص بالعمال المنزليين، وبقيت مصرة على مخالفتها الدستورية هذه ومخالفتها لمعايير العمل الدولية، الأمر الذي أدى إلى فوضى قانونية في التعامل مع التعديل وتفسيرة، وبشكل خاص بين من يرى بأن التعديل يعني شمول عمال الزراعة بقانون العمل رغم عدم صدور النظام الخاص بهم، على اعتبار أن المادة الثالثة بنصها الجديد لم تستثني عمال الزراعة من قانون العمل، في حين استثنت الموظفين العامين وموظفي البلديات، فلو أراد المشرع استثناء عمال الزراعة لنص صراحة على ذلك، وبين من يرى بأن شمول عمال الزراعة بالقانون معلق على صدور النظام، على اعتبار أن النص الجديد قد اشترط لشمولهم صدور نظام يحدد الأحكام التي يخضعون لها ومنها تنظيم عقود عملهم وأوقات العمل والراحة والتفتيش وأي أمور أخرى تتعلق باستخدامهم، وأنهم وإلى حين صدور النظام يخضعون لأحكام القانون المدني الذي ينظم القواعد العامة لعقد العمل في فصل خاص.

أدى تعدد الآراء وغموض النص القانوني إلى تعدد الإجتهادات القضائية وتضارب آراء المحاكم في تفسير النص، إلى أن أصدرت محكمة التمييز الأردنية بهيئتها العامة قراراَ حاسما حول هذا الموضوع أخذت فيه بالرأي القائل بعدم شمول عمال الزراعة بقانون العمل بسبب عدم صدور نظام عمال الزراعة الذي أوجب القانون إصداره، وقد أدى الأخذ بهذا التوجه في القضاء وإصرار الحكومة على عدم إصدار النظام إلى استمرار مسلسل حرمان العمال من الحمايات والحقوق في قانون العمل ومن حق التقاضي المستعجل والمعفى من الرسوم وفقا لقانون العمل، وكذلك حرمانهم من حق التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية.

ورغم أن الإشتراك في الضمان الاجتماعي يعدّ إلزاميًا من حيث المبدأ، ورغم أن قانون الضمان الاجتماعي لم ينص على استثناء عمال الزراعة من الإشتراك، إلا أن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي استمرت أيضا باستثناء عمال الزراعة منذ صدور أول قانون للضمان الإجتماعي عام 1978، بذريعة عدم وجود نظام يحكم العمل في القطاع الزراعي وعدم شمول عمال الزراعة بقانون العمل، وأن معظمهم يعملون في أعمال موسمية ومؤقتة ويومية، واكتفت فقط بشمول العمال الذين يعملون في مؤسسات زراعية كبرى ومسجلة وهي محدودة جدا.

وفي أيار من هذا العام 2021 وبعد تأخير مدته 13 عام أصدرت الحكومة نظام عمال الزراعة، تحت وطأة ضغوطات شديدة من منظمات المجتمع المدني والنقابيين والنشطاء العماليين أردنيين ومهاجرين ولاجئين، والحملات التي نفذتها على مدار أكثر من سنة، وجهت فيه الرأي العام نحو الإعتراف بأهمية الدور الذي لعبه القطاع الزراعي وعماله خلال جائحة الكورونا في توفير احتياجات المواطنين أثناء فترات الحظر وإغلاق الحدود وتعطل إمكانيات استيراد المنتجات الغذائية، ودفعت فيه باتجاه عملية إصلاح شاملة للقطاع الزراعي وحقوق عامليه، ورغم صدوره متأخرا شكل صدور النظام نقلة نوعية وتاريخية في تطور الحقوق والحمايات للعمال في الأردن وفي مجال تنظيم العلاقة بين أصحاب العمل والعمال، وأنهى حقبة زمنية طويلة من استثناء قطاع الزراعة من قانون العمل، شهدت غياب الحمايات القانونية وكانت خلالها علاقات العمل في هذا القطاع دون تنظيم أو رقابة.

لقد فاقت إيجابيات النظام سلبياته، فقد شمل بأحكامه كافة أشكال العمل الزراعي (النباتية والحيوانية) والمنشآت والحيازات الزراعية التي تمارس الأعمال الزراعية كليا أو جزئيا، وجميع العمال بغض النظر عن جنسياتهم، كما شمل كافة أشكال عقود العمل غير محددة المدة، ومحددة المدة ومنها الأعمال المؤقتة والموسمية، والأهم من كل ذلك أنه قد نص صراحة في المادة 16 منه على تطبيق أحكام قانون العمل في الحالات التي لم يرد بشأنها نص خاص في النظام، الأمر الذي يعني شمول عمال الزراعة بكافة أحكام قانون العمل وليس فقط الأحكام التي وردت في النظام.

وبصدور هذا النظام أصبح من حق عمال الزراعة الحصول على كافة الحمايات التي نص عليها قانون العمل، في الأجور والحد الأدنى للأجور وعقود العمل والسلامة والصحة المهنية وإصابات العمل والأمراض المهنية وخدمات التشغيل والتدريب والتنظيم النقابي والمفاوضات الجماعية، وبشكل خاص أصبح من حقهم اللجوء إلى مفتشي العمل وتقديم شكاواهم بشأن حقوقهم وكذلك إلى المحاكم بإقامة دعاوى عمالية معفاة من الرسوم وتخضع للإجراءات المستعجلة وإثبات حقوقهم بكافة طرق الإثبات بعد أن كانت المحاكم ترفض معاملة دعاواهم معاملة القضايا العمالية.

غير أن النظام استثنى من يعملون لدى أصحاب العمل الذين يستخدمون 3 عمال فأقل من الأحكام الخاصة بساعات العمل والعطل والإجازات والضمان الإجتماعي، وهو إستثناء لم يكن له مبرر، ولاقى انتقادا شديدا من المنظمات الحقوقية والعاملين في القطاع، نظرا لما سيسببه من إرباك للعلاقات العمالية ويعقد الرقابة على الحقوق والإلتزامات ويتسبب في صعوبات جمة في إجراءات المحاكم، ويحرم فئات واسعة من العمال من حقوق أساسية.

ما زال الطريق طويلا أمام حصول عمال الزراعة على حقوقهم رغم التقدم التاريخي الذي تحقق بصدور النظام الذي يرتب مسؤوليات كبرى على وزارة العمل، خاصة في إجراءات التفتيش التي لم يعهدها سابقا مفتشو العمل سابقا ولا تتوفر لديهم الخبرة الكافية في أدائها، في ضوء الإنتشار الجغرافي للقطاع الزراعي، وطبيعة مواقع العمل التي تختلف عن غيرها من القطاعات، ومتطلبات الحمايات اللازمة في مجال السلامة والصحة المهنية، وخصوصية علاقات العمل في الزراعة التي يغلب عليها العمل بالمياومة والعمل الموسمي، وهي أمور تتطلب تأهيل وتدريب خاص لمفتشي العمل بصورة عاجلة واستخدام التكنولوجيا الحديثة في التعامل مع مواقع العمل الشاسعة جغرافيا، وإصدار عدد من التعليمات الناظمة للتفتيش والسلامة والصحة المهنية، وأوقات العمل في الظروف الجوية الإستثنائية، والأعمال المحظور تشغيل الأحداث فيها، والسكن العمالي، ووسائل نقل العمال، كما تتطلب من مؤسسة الضمان الإجتماعي العمل على وضع القواعد التنظيمية لشمول عمال الزراعة بتأمينات الضمان والرقابة على الإلتزام بها والتغلب على العقبات التي تعيق شمولهم.

بيت العمال