حاتم الكسراني

في زيارة لي صباح اليوم لواحد من اهم مصانع الصناعات الهندسية الكبرى الذي يقترب عمره من خمسين عاما، سمعت من صاحبه  الصناعي المخضرم شكوى مريرة من إجراءات الدولة وقراراتها ، خاصة ما يتعلق منها بمساواة الصناعات المستوردة مع المحلية بالرسوم الجمركية مما يضعف  القدرة التنافسية للصناعات الوطنية فوق ما هي عليه من ضعف. 

ومما زاد من قلقي وحزني ان هذا الصناعي الكبير  يعد العدة لتخفيف خطوط إنتاجه المحلية لينقل  جزءا كبيرا من نشاطه الإستثماري إلى منطقة ” المنيا” بصعيد مصر…. ياالله كم استفادت  مصر من قرارات حكوماتنا المتعاقبة وكم إستقطبت من إستثمارات أردنية … حتى جميد مناسفنا اصبحنا نستورده منها. 

صديقنا الصناعي هذا يقول ان الصناعة في الاردن  كالمرض الذي تكرهه ولكنك مضطر ان تتعايش معه. 

ومن المفارقات العجيبة ان تتصادف زيارتي  التي شهدت بها حالة من اليأس الصناعي  مع المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء الذي هلل له تجار الاردن بينما لم يقنع صناعييه لانه توجه إليهم بالنوايا المستقبلية لرفع قدراتهم التنافسية والشراكة معهم. 

ويستطيع المراقب لما يجري على ساحتنا الإقتصادية ان يسجل الملاحظات التالية : 

– لا اعتقد بان الصناعيين الاردنيين في قطاعات صناعات الألبسة والأحذية والصناعات الجلدية كانوا فرحين اليوم بقرارات الحكومة. 

– لا اعتقد بان الصناعيين الأردنيين مسرورين اليوم من قرارات الحكومة القاضية  بتسهيل عملية الإستيراد وتخفيض كلفه مقابل عملية الإنتاج الوطني في ظل عدم تقديم أية مساعدات مباشرة للقطاع الصناعي او اية مساعدات تعمل على تخفيض كلف الإنتاج الصناعي  الوطني. 

ويتسائل : 

– هل تخلت حكومتنا  عن ان يكون إقتصادنا إقتصادا صناعيا ينتج سلعه وإحتياجاته  لصالح ان يكون قطاعا تجاريا مستوردا لسلعه و  يعتمد استراتيجية الإستيراد و إعادة التصدير السلعي المستورد . 

– هل حسمت الحكومة امر ماهية المشغل الاكبر المختلف عليها  بين القطاعين الصناعي والتجاري  في اسواقنا لصالح القطاع التجاري وقررت الإعتماد على القطاع التجاري في عملية حل مشكلة البطالة وتسليمه مهمة خلق فرص العمل بزيادة وتوسيع حجمه وفرصه على حساب القطاع الصناعي والإنتاجي الوطني .

اما عن البطالة والتشغيل فثمة حقائق تعرض لها الخبير العمالي حماده ابو نجمه الامين الأسبق لوزارة العمل برأيه المنشور التالي :

عندما نرفع شعار مكافحة البطالة، يجب أن لا تغيب عنا حقيقة أن عدد المتعطلين عن العمل يزيد على 400 ألف (بمعدل بطالة 23.2%) يعيلون ما يقرب من مليوني مواطن، وأننا بحاجة إلى استحداث 250 ألف فرصة عمل جديدة لنصل بالبطالة إلى ما كانت عليه عام 2014 عندما بلغ معدلها 11.5% وهو الأخفض خلال العشرين سنة الماضية، ويعادل المتوسط العربي للبطالة حاليا، ولتحقيق ذلك لا بديل عن جذب استثمارات جديدة وإنشاء مؤسسات ومصانع ومشاريع توفر هذه الأعداد من فرص العمل.

فعدد العاملين في القطاعين العام والخاص يبلغ حوالي مليون و400 ألف، وعدد القادمين الجدد سنويا إلى سوق العمل كباحثين عن عمل حوالي 110 آلاف شاب وشابة، لا يستوعب سوق العمل منهم سوى حوالي 35 ألف فقط. 

فإذا أردنا حقيقة أن نصل إلى مستوى مقبول نسبيا من البطالة فيجب أن نصل إلى سوق عمل يشغل على الأقل مليون و 650 ألف مواطن، وهو أمر لا أجد أن من الممكن تحقيقه في هذه الظروف، في ظل عسر استثماري واقتصادي، وشراكة مع القطاع الخاص لا نجدها إلا في البيانات والخطابات، وسياسات تعليم جامعية يغلب عليها الطابع التجاري منفصلة تماما عن متطلبات سوق العمل واحتياجاته من الكفاءات، وضعف برامج التدريب المهني والإفتقاد لشروط العمل اللائق في كثير من قطاعات العمل.