يصادف 30 تموز من كل عام اليوم العالمي لمكافحة الإتجار بالأشخاص، الذي أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2013، لما تمثله جريمة الاتجار بالأشخاص من انتهاك خطير وصارخ لحقوق الإنسان، يمس الآلاف من الرجال والنساء والأطفال ممن يقعون فريسة في أيدي المتاجرين، ولا يسلم أي بلد في العالم من هذه الظاهرة وآثارها، سواء كان بلد منشأ أو نقطة العبور أو مقصدا للضحايا، ويركز موضوع هذا العام على دور التكنولوجيا بوصفها أداة ذات حدين فيما يتصل بقضية الاتجار بالبشر، حيث إنها قد تستخدم في تسهيل ذلك أو في الحد منه.

الأردن انضم للإتفاقية الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لسنة 2000 والبروتوكولين الملحقين بها المتعلقة بمنع وحظر الاتجار بالبشر بخاصة النساء والأطفال ومكافحة تهريب المهاجرين لسنة 1962، كما صادق على 26 اتفاقية عمل دولية بشأن المبادئ والحقوق الاساسية في العمل.

وعلى الصعيد الوطني أصدر الأردن قانون ابطال الرق عام 1929 وقانون منع الاتجار بالبشر عام 2009 والذي تم تعديله العام الماضي، وحملت التعديلات الجديدة الكثير من الايجابيات ومنها إضافة التسول المنظم كصورة من صور الاتجار بالبشر، وتغليظ العقوبات، والسماح بالإقامة المؤقتة للضحية (من الجنسيات الأخرى) في المملكة إلى حين استكمال الإجراءات الضرورية للتحقيق والمحاكمة، ورغم كل ذلك ما زال هناك بعض التحديات المتمثلة بصعوبة إعفاء الضحايا من الجنسيات الأخرى من غرامات تجاوز الإقامة، ولا زالت هنالك بعض القضايا التي تُكيف جنحة اتجار بالبشر على الرغم من وجود ظرف مشدد لها خاصة عندما تكون الضحية أنثى.

من الملاحظ على البيانات المتاحة في الأردن حول جرائم الإتجار بالبشر أنها تشير إلى أن قضايا استغلال غير الأردنيين في العمل تشكل الحجم الأكبر من بين أشكال الإتجار بالبشر الأخرى، في وقت لم يصادق الأردن لغاية الآن على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وعائلاتهم لسنة 1990، كما أن من الملاحظ في نفس الوقت أن نسبة ملاحقة قضايا الإتجار بالبشر تعتبر منخفضة بسبب عدم وضوح التشريعات ذات العلاقة بهذه الجريمة وخاصة قانون منع الإتجار بالبشر وتعريف جريمة الإتجار بالبشر، الأمر الذي يعيق وصول الضحايا إلى العدالة ويتسبب في إفلات الجناة من العقاب، ويدلل ارتفاع عدد حالات انتهاك حقوق عاملات المنازل بالمقارنة مع قطاعات العمل الأخرى على الحاجة إلى تطوير آليات جديدة أكثر فعالية لحماية هذه الفئة.

وتعتبر الأرقام المسجلة لحالات الإتجار بالبشر لقطاعات العمل المختلفة ضئيلة بالمقارنة مع حجم هذه القطاعات وعدد العمال المتوقع تعرضهم للإنتهاكات خاصة العمال غير الأردنيين في قطاعات العمالة المنزلية والزراعة والنظافة والمحيكات، ومن المؤكد أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للمخالفات التي ترتكب في هذه القطاعات خاصة وأن جزء من هذه المخالفات يتم ارتكابه في الدول المرسلة للعمالة من خلال استيفاء مبالغ كبيرة من العامل مقابل توفير فرصة العمل له وفي بعض الحالات يتم إيهامه بأنه سيعمل في دولة أخرى وبمهنة وأجر غير المهنة والأجر الحقيقيين.

الأمر الذي يتطلب أولا إنشاء قاعدة بيانات دقيقة وموحدة خاصة للعمالة الوافدة، ووضع إطار وطني واضح يحدد صلاحيات ومسؤوليات كل من الجهات الرسمية وغير الرسمية المعنية بشكل خاص بإجراءات الوقاية والحماية من انتهاك حقوقهم، واتخاذ إجراءات فعالة لضبط ومعاقبة الوسطاء غير القانونيين الذين يعملون على استغلالهم وتشغيلهم بصورة غير قانونية.

من غير الممكن أن ننكر الجهود التي بذلت في السنوات الأخيرة وأسهمت في أن يصنف الأردن ضمن المستوى الثاني في المؤشرات العالمية للتصدي للإتجار بالبشر باعتباره من الدول التي تبذل جهودا للتصدي لهذه المشكلة رغم أنها ما زالت ضمن الدول التي لا تلبي الحد الأدنى من المعايير الدولية في هذا الشأن، كما لا يمكن أن ننكر التحسن الذي طرأ على المستوى التشريعي بإصدار القانون المعدّل لقانون الاتجار بالبشر رقم (10) لسنة 2021، والذي تضمّن إدراج التسول المنظم ضمن مفهوم جريمة الاتجار بالبشر، ووقف مُلاحقة المجني عليهم والمتضررين من جرائم الاتجار بالبشر من قبل النيابة العامة، اضافة الى إنشاء "صندوق مساعدة ضحايا الاتجار بالبشر"، والمخصص لتقديم المساعدة القانونيّة للمجني عليهم والمتضررين من جرائم الاتجار بالبشر، لما من شأنه تعزيز الحماية القانونية من مظاهر الإستغلال ومن ذلك استغلال الأطفال في جريمة التسول.

غير أن ذلك لا ينفي أنه ما زال هناك العديد من الاشكاليات في ملاحقة مرتكبي جرائم الاتجار بالبشر، ومنها طول أمد التقاضي، وعدم وضوح تعريف جريمة الاتجار بالبشر الذي يعد معوقا أمام وصول الضحايا للعدالة وفقاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وعد وضع حد للانتهاكات التي يتعرض لها عاملات المنازل، وبشكل خاص الحرمان من الأجور، حجز حريتهنّ، التأخر في دفع الأجور، اضافة الى إشكالية نظام الكفالة المتمثلة بعدم قدرة العامل على تغيير مقر عمله إلا بموافقة الكفيل.

ما زال هناك الكثيير مما يمكن عمله على المستوى التشريعي ففي قانون العمل هناك الكثير مما يمكن عمله لتحسين ظروف العمل وبشكل خاص إجراء مراجعة شاملة للأنظمة والتعليمات المتعلقة بالعمالة الوافدة بما يتوافق مع القانون ومعايير العمل الدولية وبما يضمن معالجة أي خلل في التطبيق والحد من الإنتهاكات وتحسين آليات التفتيش والحد من المخالفات، وكذلك مراجعة عقود العمل المعتمدة وتطويرها على هذا الأساس، ووضع شروط وقواعد خاصة للعمل الإضافي وأجور العمل الإضافي تضمن حصول العمال على حقوقهم القانونية فيها، وحد أعلى لعدد ساعات العمل الإضافي المسموح بها، وإلغاء التمييز في الحد الأدنى للأجور بين العمال الأردنيين وغير الأردنيين، وتطوير آلية واضحة للعمال لتقديم الشكاوى ومتابعتها ومن ذلك تفعيل الخط الساخن للشكاوى على مدار الساعة، وتفعيل مساءلة صاحب العمل في حالات عدم تجديد تصاريح العمل والإقامة لعماله وعدم تغريم العامل أي مبالغ في هذه الحالات أو اتخاذ اجراءات بحقه كالتسفير، وضمان حرية العامل في الإنتقال من صاحب عمل لآخر، وإلغاء اشتراط حصول العامل على موافقة صاحب العمل لمغادرة البلاد، وإصدار النظام الخاص بعمال الزراعة.  

ورغم صدور نظام دور إيواء ضحايا الإتجار بالبشر لعام 2012 بالإستناد إلى هذا القانون للمساعدة على تأهيلهم نفسيا واجتماعيا، إلا أن عملية إنشاء دور إيواء متخصصة وفق المعايير الدولية ما زالت متعثرة وتراوح مكانها.

ولا بد من إعادة النظر في مهام اللجنة الوطنية لمنع الإتجار بالبشر بالشكل الذي يفصل بين مهامها ومهام الجهات الممثلة فيها، وتحديد مهام ومسؤوليات هذه الجهات، كما لا بد من توضيح العلاقات والمسؤوليات بين الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني بالشكل الذي لا تتعارض فيه أدوار الطرفين، وإشراك ممثلين فاعلين من منظمات المجتمع المدني في اللجنة الوطنية لمنع الإتجار بالبشر وأعمالها، وأن تتولى اللجنة العمل مع الجهات المعنية على معالجة التشوهات في التشريعات والآليات والإجراءات.

بيت العمال للدراسات والأبحاث

30/7/2022