التوجه نحو توزيع مهام وزارة العمل على عدة وزارات يؤشر على نية غير معلنة في إلغاء مهامها الرئيسية أو تقزيمها ليتلاشى الدور المفترض أن تلعبه الوزارة في سوق العمل، ومسؤوليتها فيما يعرف بسياسة العمل الوطنية التي تشمل مختلف المسائل المتصلة بالعمل، واعتماد نظام منسق وفعال لإدارة سوق العمل يكفل التعاون المباشر مع أصحاب العمل والعمال ومشاركتهم في مراحل إعداد السياسة وإدارتها وتنسيقها.

التوجه المعلن عنه غير مدروس ولا يراعي مبادئ عمل وزارات العمل وأدوارها المتعارف عليها في الإدارة العامة وفي المعايير الدولية وتجارب الدول، وهو توجه يغلب الجانب البيروقراطي على الجوانب الإقتصادية والإجتماعية في النظر لشؤون وقضايا العمل.

فمسؤولية سياسة العمل وتنفيذها هي مسؤولية مترابطة ومتكافلة وغير قابلة للتجزئة، وهي تشتمل على مجموعة من الوظائف التي يجب أن تضطلع بها نظم إدارة العمل فيما يخص سياسة العمالة، والحماية الاجتماعية، وحمايات العمل، والتشغيل، والعلاقات الصناعية، والخدمات المتعلقة بالسلامة والصحة المهنيتين، وآلية تحديد الحد الأدنى للأجور الدنيا، وخدمات التدريب المهني والموارد البشرية، والحوار الاجتماعي، وتفتيش العمل، حيث تقود وزارة العمل بشأنها عمليات التشاور والتعاون والتفاوض مع الشركاء الاجتماعيين عمالا وأصحاب عمل في إطار مبدأ الهيكل الثلاثي الذي يجب أن يكرس في مختلف وظائف إدارة سوق العمل.

فقد أنشئت وزارات العمل من أجل معالجة ما يعرف في أوروبا باسم "المسألة الاجتماعية" أو "المسألة العمالية" وفي الولايات المتحدة باسم "مسألة العمل" لتتولى دوراً حمائياً وتنظيمياً لأسواق العمل من أجل تحسين شروط العمل والحفاظ على التوازن بين مصالح أصحاب العمل والعمال، بهدف  الحفاظ على السلم الاجتماعي وتجنب الصراعات الاجتماعية الكبرى، ولتتولى دورا رئيسيا في التنمية الإقتصادية والإجتماعية من خلال صياغة وتنفيذ سياسات العمل التي تنسجم مع أهداف التنمية الوطنية.

ليس من صالح أحد أن تؤدي عمليات إعادة تنظيم الدوائر الحكومية وانتقال مسؤولية رسم السياسة وإعادة توزيع المهام، إلى أن تفقد وزارة العمل مسؤولياتها التقليدية لصالح وزارات أخرى، وأن تتجزأ مهامها وتتوزع على وزارات ومؤسسات أخرى، فنجاح أي دولة في التعامل مع قضايا سوق العمل يرتبط أساسا في مدى اهتمامها بمستقبل دور وزارة العمل في رسم سياسة العمل الوطنية، وتعزيز دورها كقناة رئيسية للحوار الاجتماعي في إطار الحكومة.

بدلا من إلغاء الوزارة كان يجب العمل على أن تعتمد الدولة نهجا شموليا لتنظيم عمل هذه الوزارة وتمكينها ضمن الأطر والمعايير المتعارف عليها وتجارب الدول، لتبقى في مركز دوائر القرار الاقتصادي والإجتماعي الأوسع، وتعزيز دورها التنسيقي في اعتماد عناصر سياسة العمل الوطنية، واعتماد استراتيجية تغيير قائمة على اعتبار هذه الوزارة عنصرا هاما في أداء الدولة لدورها في سياسات سوق العمل والحوار الاجتماعي تدفعها المبادئ الرئيسية للإدارة السديدة والمشاركة والشفافية والمساءلة وسيادة القانون.

بيت العمال للدراسات والأبحاث