08 Feb
08Feb

عمون - "أن أعود لبيتي بدينارين أفضل من البطالة ومن حاجة الناس لا قدر الله"..هذه قناعة ثلاثينية اختارت العمل في مجال توصيل المشتريات، "الديليفري"، بعد أن ضاقت بها الدنيا بما رحبت، متحملة البرد الشديد، خلال ساعات الانتظار ريثما يأتي دورها في "توصيل الطلبية"، معربة عن سعادتها الكبيرة، "لأنها وجدت عملا ورزقا حلالا، يفيض بالبركة". 

ولا تعير "فتاة الديليفري"، كما تحب أن تقول عن نفسها، أي اهتمام، لما يُقال عن نظرة مجتمعية معينة تصنف العمل لذكوري، ولآخر أنثوي، فالعمل، كما تقول: "ليس عيبا، والثقافة التي غلفته بهذا التصنيف، باتت طي النسيان"، وأنها لا تود أن تكون في عداد الذين يرزحون تحت وطأة بطالة وصلت، وفقا لتقديرات دائرة الاحصاءات العامة إلى 2ر23 بالمائة خلال الربع الثالث من العام المنصرم. وتسرد قصتها بكل قناعة ورضا، قائلة: "أعانتني سيارتي القديمة، على تجاوز حالة المراوحة والانتظار، فطوعتها لفرصة ايجابية ولفضاء مفتوح يعج بالتحدي ورؤية الناس، ومعايشة حركة اليوم من صبحه لغروبه، حيث أعمل من الساعة 11 صباحا وحتى 6 مساءً، وأعود مفعمة بالحيوية، راضية بما قسمه الله تبارك وتعالى لي". 

وتتابع: "أنهيت دراستي في دبلوم إدارة الأعمال، وتخطيت نظرية أن العمل ينبغي أن يكون في مجال الدراسة ذاتها، رغم معارضة والدي لطبيعة عملي في بدايته، فهو مقتنع أن العمل في مجال التوصيل، يتحمله الرجال أكثر، لكنه تراجع عن معارضته تلك، بعد أن وجدني سعيدة وقادرة على ما أقوم به، خاصة، وإنني التقيت بكثير من الفتيات ممن اخترن العمل في المجال عينه، سواء باستخدام سياراتهن الخاصة أو بـ (سكوترات) تابعة لشركات التوصيل، على حد تعبيرها. 

ويتنوع ما تقوم بايصاله للمستهلكين بين الملابس التي يبتاعها الناس الكترونيا "أون لاين"، وبين اللحوم "التواصي"، فضلا عن طلبات الوجبات الجاهزة، إذ من الممكن أن يصل عدد الطلبات باليوم الواحد إلى سبعة، ولكن أكثر ما يزعجها هو البرد، رغم أنها تقوم بارتداء الكثير من الملابس الصوفية، لكنها لا تستطيع تشغيل "دفاية السيارة"، وهي في وضع الوقوف أثناء الانتظار، "فهي قديمة، ولا تخدمني في هذا الإطار، ومع ذلك، أحمد الله أنني لست في صفوف العاطلين عن العمل، متمنية لجميعهم برزق وراحة بال". 

وتتحدث وهي في غاية السعادة عن قدرتها على تلبية "طلبات" والدتها البسيطة قبيل عودتها للمنزل، حيث تتمكن من ابتياع "الخبز وقليل من البندورة وعلبة من اللبن"، على سبيل المثال، مستدركة: "قد يزيد ربحي أحيانا عن الدينارين بقليل، وقد يكون أقل من ذلك، ودائما تبعا لعدد الطلبيات، حيث أعمل بنظام العمولة، وليس الراتب، ولكني أسعد أيضا بالاكرامية التي قد أحصل عليها أحيانا من بعض الزبائن، وهي في حدها الأعلى، وحتى الآن، عبارة عن دينار واحد، مع الشكر الجزيل لأصحاب النفوس الطيبة"، كما توضح. 

"منذ تخرجي، لم أفقد الأمل يوما بالعمل، فقد عملت بائعة في محل للملابس، وفي محل آخر للاكسسوار، المهم في الأمر، كما تسرد، أن لا اطلب من أهلي النقود، ولا أكون عالة عليهم، فأنا فخورة بعملي، وأدعو كل الفتيات الباحثات عن عمل، أن يتجرأن للعمل في أي مجال شريف بطبيعة الحال، لا سيما وأن مواقع التواصل الاجتماعي تمثل فرصة ذهبية لإيجاد أرضية لعمل ما، كالطهي من البيوت، أو إعداد الحلويات، والأشغال اليدوية والحرف التقليدية والاكسسوارات، وبيع الملابس، وغير ذلك من فرص، المهم أن نبدأ، وأن نشعل شمعة، لا أن نلعن الظلام"، تختم الثلاثينية قولها. 

المتخصص في الاقتصاد السياسي زيان زوانه، يرى أن البطالة تمثل في تداعياتها الكثير من المظاهر السلبية، التي تنعكس حكما على حياة المواطن وعلى مستوى معيشته وأنماط سلوكه الاجتماعي، كما أن للبطالة دورها في التأثير على عجلة الإنتاج والمنظومة الاقتصادية بوجه عام، مشددا على دور الحكومة الكبير في ترجمة سياساتها ذات العلاقة على أرض الواقع بغية التخفيف قدر الإمكان من نسب البطالة، وذلك عبر مشروعات انتاجية، تتيح فرص التشغيل والتوظيف. 

ويثني في هذا السياق، على قدرة فتيات وشباب لاجتراح الحلول العملية ولو كانت ضمن الحدود الدنيا للإنتاجية، كبطلة هذا التقرير- كما يحب أن يطلق عليها- العاملة في مجال التوصيل، مشددا في الوقت عينه على أهمية تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص في سبيل الحد من نسب البطالة.

ويعلق زوانه على عملها، قائلا: "استطاعت أن تودع أوهام انتظار الوظيفة، وتحقق قصة نجاح، ولو كانت بسيطة، ضمن ما يسمى بالتوظيف الذاتي، الذي ينشط به الشباب هذه الأيام، ولا سيما في ظل (السوشيال ميديا) التي فتحت آفاقا واسعة، للبحث عن أعمال ولو كانت متواضعة"، مواصلا: "ولقد رأينا الاتساع الأفقي في مجال الأعمال من البيوت (أون لاين)، ولا سيما في زمن الجائحة التي ألقت بظلال ثقيلة على أعمال الناس وأرزاقهم". 

وفي تقرير لها بعنوان "آفاق سوق العمل 2022"، كانت منظمة العمل الدولية قد توقعت بقاء نسبة البطالة أعلى من مستويات ما قبل جائحة كورونا حتى عام 2023 على الأقل، منوهة إلى أن عدد العاطلين عن العمل حول العالم خلال العام الجاري، بلغ 207 ملايين فرد، مقارنة مع 186 مليونا في 2019.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.